الشيخ محمد رشيد رضا

623

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منكر به واثبات كون هذا القرآن الذي أنكروا انزاله على محمد ( ص ) لأنه بشر كالتوراة التي يعترفون بانزالها على موسى وهو بشر ، على أنه أكمل من التوراة وغيرها من الكتب الإلهية ، ولذلك خوطب به جميع الناس ، وجعل مكملا وخاتما للأديان . وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النبي ( ص ) ذلك أن من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر إذا لم يكن له مندوحة عن الايمان بأن القرآن من عند اللّه تعالى وعن الاهتداء به بالمحافظة على الصلوات وما يتبعها ويستلزمها كما تقدم آنفا . فكيف يمكن أن يكون أكمل الناس ايمانا باللّه وخشية له ، وإيمانا بالدار الآخرة وما فيها من الجزاء - وهو محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام - ممن يعرض نفسه لهذا الجزاء وهو منتهى الظلم الذي يترتب عليه أشد الوعيد ؟ قال تعالى * * * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً افتراء الكذب على اللّه الاختلاق عليه بالحكاية عنه والعزو اليه أو باتخاذ الشركاء والأنداد له كما يؤخذ من مجموع ما ورد في ذلك وهو المتبادر من اللفظ ، وقد سبق مثل هذا الاستفهام الانكاري في أوائل هذه السورة ( الآية 21 ) وسيأتي مثله في أواخرها ( 144 فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) وهو فيمن يدعي الوحي كذبا . ومثل ذلك في الأعراف ويونس وهود والكهف والعنكبوت والصف . وأشبه ما في هذه السور بمعنى الآية التي نفسرها آية يونس فإنها في سياق الكلام على القرآن ، قال ( 10 : 15 وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 16 قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ 17 فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ) وقد فسر الآلوسي افتراء الكذب هنا بانكار الوحي وهو لا يتفق مع ما بيناه آنفا والمعنى لا أحد أظلم ممن افترى على اللّه كذبا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ جعل بعضهم أو هنا بمعنى الواو كقوله تعالى حكاية عن قوم شعيب ( أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ) وقول الشاعر * عليها تقاها أو عليها فجورها * فيكون العطف فيه